يحيي بن حمزة العلوي اليمني

58

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

البحث الأول في مراعاة المحاسن المتعلقة بأفراد الحروف ولنشر منها إلى تقسيمين ، التقسيم الأول : باعتبار مخارجها وهو أنواع ثلاثة : النوع الأول : مخرج الحلق ، وله سبعة أحرف ، ولها منه مخارج ثلاثة فللهمزة ، والهاء ، والألف أقصى الحلق ، وللعين والحاء أوسطه ، وللغين ، والخاء أدناه . النوع الثاني : الشفهيّة وهي الباء ، والفاء ، والميم ، والواو . النوع الثالث : حروف اللسان وهو ما عدا هذين المخرجين على تفاوت فيها في حافات اللسان ومدارجه ووقوعها في طرفه ، ووسطه ، وأقصاه ، وموضعه كتب النحاة . التقسيم الثاني : باعتبار ما يعرض لها في أنفسها من الجهر ، والهمس ، والشدة ، والرخاوة ، واللين ، والإطباق ، والانفتاح ، والانخفاض ، والاستعلاء وغير ذلك . فالأحرف الشفهية أخف الأحرف موقعا ، وألذها سماعا ، وأسلسها جريا على الألسنة . وحروف الذلاقة منها وهي الراء ، واللام ، والنون ، لأن مخرجها من ذولق اللسان وهو طرفه ، ويكثر استعمالها في الكلام ، وما ذاك إلا من أجل خفة مجراها وطيب نغمتها ، وسهولتها على النطق ، ولهذا فإنك لا ترى كلمة رباعية أو خماسية معراة من حروف الذلاقة إلا على جهة الندرة والقلة وجدت في كلام العرب كالعسجد ، اسم للذهب ، والعذيوط ، وهو الذي يحدث على فراشه وغيرهما ، فدخول هذه الأحرف في الأبنية من أجل ترقيقها وتلطيفها ، وحسنها على المسموع ، وما من واحد من الأحرف السبعة والعشرين العربية إلا وهو مختص بنوع فضيلة لكنها متفاوتة في الصفاء والرقة ، ولهذا فإنك تجد « العين » أنصع الحروف جرسا وألذها سماعا و « القاف » مختصة بالوضوح ، والمتانة ، وشدة الجهر فإذا وقعا في كلمة حسناها لما فيهما من تلك المزية ، وهكذا كل حرف منها له مزية لا يشاركه فيها غيره ، فسبحان من أنفذ في الأشياء دقيق حكمته وأحكم المكونات بعجيب صنعته . فمتى روعيت هذه الاعتبارات وألفت الكلمة من هذه الأحرف السهلة كان الكلام في نهاية العذوبة وجرى على أسلات الألسنة بالسلاسة وخفة المنطق ، وهذا هو المراد بكون الكلام فصيحا كما سنوضح القول في كون الفصاحة من عوارض الألفاظ أم من عوارض المعاني .